جديد المدونة

مرحبا بك يسعدنا انضمامك لهذا الموقع

السبت، 14 مايو، 2016

مجزوءة الوضع البشري : المفاهيم و المواقف الفلسفية

مجزوءة الوضع البشري : المفاهيم و المواقف الفلسفية
أولا: مفهوم الشخص
مفهوم الشخص: إن الحديث عن الشخص هو حديث عن الذات أو الأنا، والشخص هو مجموع السمات المميزة للفرد الذي هو في الأصل كيان نفسي واجتماعي متشابه مع الآخرين، ومتميز عنهم في نفس الوقت. لكن هويته ليست معطى جاهزا، بل هي خلاصة تفاعل عدة عناصر فيها ما هو بيولوجي، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي… 
الوضعية-المشكلة: يشمل هذا العالم، كما نشتركـ في إدراكه، مجموع الكائنات التي تنقسم إلى كائنات جامدة وسَلْبية (أشياء) وإلى كائنات حية، متحركة ومُدْرِكة (حيوانات) وإلى كائنات مصنوعة ذات قدرة "نسبية" على الحركة والإدراكـ (آلَات).
ويُعَدُّ الإنسان، بما هو موجود متحقق، من بين "أشياء" هذا العالم. لكنه يتميز بأنه ليس مجرد "شيء"، فهو موجود (من حيث كونه جسدا أو عضوية حية) بصفته كائنا حَيًّا يملكـ قدرة "ذاتية" على الحركة والإحساس، أي أنه يندرج ضمن "النوع الحيواني". ومن هنا يُطرح إشكال الكيفية التي يتحدد بها "وجود الإنسان" بالنسبة إلى "الأشياء" و"الحيوانات" و"الآلَات" التي تُشارِكه الوجود ضمن هذا العالم. فما أهم الخصائص التي تُحدِّد الإنسان في وجوده وتجعله "شخصا" متميزا في آن واحد عن "الشيء" و"الحيوان" و"الآلة"؟ ما هو الأساس الذي تقوم عليه "هوية الشخص"؟ هل يملكـ الإنسان مميزاتٍ أساسية وجوهرية تُخَوِّلُه أن يتحدد كـ"شخص" له "هوية" تُمَكِّنُه من أن يتفرد بين كائنات العالم؟ ما الذي يسمح لنا بتحديد "قيمة" لِلْإنسان تجعله "شخصا" يَفْضُل كل الكائنات ويتمتع بحقوق وواجبات؟ وإلى أي حدٍّ يتفرد الإنسان بـ"قيمة الشخص" كذات لها القدرة على الفعل الواعي والحر؟ هل يملكـ "الإنسان" من الوعي والقدرة ما يجعله يتحدد كـ"شخص" حر ومسؤول؟
الشخص والهوية
الإشكالية:  كيف يمكن تحديد "الوجود الإنساني" في هذا العالم كوجود يتصف بشكل أساسي وجوهري بمجموعة من السمات التي تميزه عن "الأشياء" و"الحيوانات" و"الآلَات"؟ ما هو الأساس الذي تنبني عليه "هوية" الإنسان كـ"شخص"؟ هل تتحدد "الهوية" بما هي مجموعة من الخصائص الأساسية والجوهرية المُقَوِّمة لوجود الإنسان في ذاته؟ وهل "هوية الشخص" مُعطًى أولي وثابت مشتركـ بين كل أفراد النوع الإنساني أم أنها بناءٌ متفاوتٌ تتحكم فيه شروط الوجود الإنساني في تعددها وتغيرها؟
المواقف
+ سقراط : من خِلَال قوله المشهور "اِعرف نفسكـ بنفسكـ" يؤكد أهمية "النفس"، ليس فقط كموضوع للمعرفة، بل أيضا بصفتها أهمَّ ما يُقَوِّمُ وجود الإنسان كذاتٍ فاعلة لها القدرة على المعرفة. فـ"الإنسان" يتحدد أساسا بما هو "نفس"، لِأن "النفس" حقيقة خالدة، في حين أن "الجسد"  عَرَضٌ فَانٍ وزائل.
+ أفلَاطون: أكد كذلكـ أن "النفس" لها صلةٌ وُثْقَى بـ"عالم المُثُل" الذي هو "عالم الحقيقة"، مما يجعل الوجود الحقيقي للْإنسان مرتبطا بنفسه الخالدة ونزوعها نحو العالم العلوي الذي يسمو على العالم السفلي (الحسي-المادي، المتغير، الناقص والمتناقض).
+ أرسطو: يذهب إلى أن جوهر الإنسان يتمثل في كونه "حيوانا ناطقا/عاقلًا"، أي بما هو "بدن" (جسم حي) و"نفس" (مبدأ مُدْرِكـ وعاقل)، حيث إن "النفس" هي "كمال الجسم الحي"، وهي أساس الجانب العاقل فيه.
+ ديكارت: يرى، من خلَال تجربة "الكوجيطو" ("الأنا المفكر") أن حقيقة الإنسان تتمثل في كونه "شيئا مفكرًا"، أي "ذاتا مفكرة"، حيث إن "الفكر" هو الذي يُحدِّد -بشكل جوهري وأساسي- ذات الإنسان. و"الفكر"، كخاصية جوهرية للذات، هو مجموعة من الصفات التي تشمل كلًّا من "الشكـ" و"الفهم" و"الإثبات" و"النفي" و"الإرادة" و"التخيل" و"الإحساس" أيضا. إنها الخصائص التي تُلَازِم طبيعة "الذات" وتُحدِّد ماهيتها و، بالتالي، تُميزها عن غيرها. وبفضل خاصية "الفكر" تُعَدُّ "الذات" واعيةً، أي أنها تُدرِكـ نفسها ككيان متميز وكمصدر للفعل تجاه العالم (مجال "الطبيعة" بما هو مجال يضم "الأشياء" و"الحيوانات"). وهكذا، فإن ديكارت يؤكد أهمية "الأنا" (كمعطى أولي وكلي) في تحديد "هوية الشخص"، وذلكـ بما هي قدرة على التفكير بشكل حر ومستقل. ولهذا فإن تصور ديكارت يمثل لحظة أساسية في الفلسفة الحديثة في تأكيدها لمفهوم "الذات" كمنطلق لبناء معرفة حقيقية حول العالم، معرفة تُمَثِّل الوسيلة التي من شأنها أن تُمَكِّن الإنسان من السيطرة على عالم الطبيعة وتَمَلُّكه باعتباره مجرد "موضوع" لتدخل "الذات".
+ جون لوكـ: يؤكد على أهمية التجربة الحسية في المعرفة. فهو يرى أن الإنسان لَا يمتلكـ بالفطرة أي معرفة أو أفكار قَبْلِيَّة، لَا عن نفسه ولَا عن العالم من حوله، وإنما يُعتبر ذهنه مثل الصفحة البيضاء التي تتلقى كل نقوشها وسطورها من التجربة الحسية. ومن هنا، فإن "الهوية الشخصية" تقوم على أساس كون الإنسان مفكرًا، وهو الأمر الذي يجعله قادرا على "فعل التفكير" الذي يجعله بدوره يدركـ أنه ذات فاعلة على ﭐمتداد الزمان والمكان. ذلكـ بأن كون التفكير يتحدد كـ"فِعْلٍ" يجعله يؤدي إلى وجود إحساس بالذات التي تقوم بذلكـ الفعل، وهو إحساس لَا يكاد ينفصل عن فعل التفكير، حيث إنه لَا يُمْكِنُ للكائن المفكر أن يُدركـ دون أن يعرف أنه هو نفسه الذي يدركـ. وهذه المعرفة مُرَافِقَةٌ دومًا لِإحساساتنا وإدراكاتنا. ولهذا، فإن "الهوية الشخصية" ناتجةٌ عن أفعال التفكير والإحساس في تكرارها وتَعَوُّدها، مما يجعل كل واحد منا يحس بنفسه كـ"أنا" ويدركـ هويته الشخصية التي تمتد بقدر ما يمتد وعيه بأفعاله الماضية ليستحضرها ويَتَذَكَّرها.
+ "ديفيد هيوم": قام بإعادة النظر في مفهوم "الهوية الشخصية" ﭐنطلَاقا من المنهج التجريبي. إذ أنه يرى أن "الأنا" في دلالتها على الوعي بالوحدة والاستمرار ليست موضوعا للتجربة، حيث إن ما يُجَرِّبه كل مِنَّا إنما هو دائمًا فِعْلٌ جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ مُتغير باستمرار، الأمر الذي يجعل من الصعب الإمساكـ تجربيا بـ"الأنا" في وحدتها وبساطتها. وبالتالي فإن "الهوية الشخصية" ليست سوى وَهْمٍ أو خيالٍ قائمٍ على آليات المشابهة والمقارنة والربط التي تُمَكِّن الإنسان من إدراكـ العلاقات بين الأشياء والظواهر على نحوٍ يُسهمُ في بناء نوع من الذاكرة، التي ليست في واقع الأمر سوى ﭐنعكاس لتأثير اللغة المشتركـ، مما يُفيد أن "الهوية الشخصية" إشكال لغوي محضٌ.
+ إيمانويل كنط :يرى أن "الكوجيطو" في دلالته على "الأنا المفكر" لا يمكن أن يكون حقيقةً مُدْرَكَةً بعيدا عن كل تَمَثُّلٍ يَنْصَبُّ على موضوعٍ خارجِيٍّ. فالذاتُ المفكرةُ لا يُمكِنُها أن تُدرِكـ نفسها على نحو مباشر بواسطة حدس فكري/ذهني، مما يجعل فعل المعرفة يستند حَتْمًا إلى حضور الموضوع الخارجي. لكن كنط يعود، رغم ذلكـ، ليؤكد أن هذه "الذات" تَتَعَالى على كل تجربة، بحيث إنها تتحدد في شكل مجموعة من الصُّوَر والأُطر القَبْلِيَّة التي تُمَكِّن من بناء الحُدُوس التَّجْرِبِيَّة (المتعلقة بالأشياء) كمواضيع للمعرفة. ومن ثم ينتهي "كنط" إلى القول بأن الإنسان يتميز عن الكائنات الطبيعية كـ"كائن عاقل" يتجلى كعقل عملي أخلاقي هو أساس "الشخص" كغاية في ذاته، غاية قُصوى تتجاوز كل الغايات وتُعطيه نوعا من الكرامة التي يجب ﭐحترامها على نحوٍ كُلِّيٍ، أي أن "هوية الشخص" تتمثل في كونه صاحب "إرادةٍ خَيِّرةٍ" تَقُوده إلى الإحساس بالواجب بشكل عام وبعيدا عن كل غرض أو منفعة.
+"هيغل": يرى أن وجود الإنسان -من حيث هو وجود لذاته (أي وعي) يتميز عن وجود الأشياء- إنما هو وجودٌ مُتَجَسِّدٌ على نحو عيني وواقعي. لذا فإن الوعي -بما هو وعي الذات بنفسها- ناتجٌ عن صراع ﭐجتماعي وتاريخي يتم من أجل كسب نوع من "الاعتراف" الذي يَحْفَظُ للذات مقام الوعي بنفسها. ومن هنا، فإن الوعي صيرورةٌ تاريخية وﭐجتماعية تتجسد في جدل "السيد" و"العبد"، أي أن ما يُشَكِّلُ "هوية" الإنسان واقعٌ خاضعٌ للتغير والتناقض الجدليين من خلال الشروط الاجتماعية والتاريخية. وبالتالي فإن "الشخص" لا يتجلى كوعي أخلاقي إلَّا من حيث كونه يمثل "روح الشعب" كمجموعة من الأعراف والقوانين التي يعرف الفرد بفضلها الخير والواجب. ويُعَدُّ تصور "هيغل" هذا أساسيا في تأكيده للطابع المتجسد للوعي وللطابع الجدلي المُمَيِّز للصراع الاجتماعي والتاريخي كصيرورةٍ من أجل الاعتراف. ونجد أن كل هذه المُحَدِّدات ستفرض نفسها بأشكالٍ مختلفةٍ على الفلاسفة والمفكرين اللَّاحقين لهيغل (خصوصا شوﭙنهاور، نيتشه، ماركس، فرويد).  
+ "جول لاشوليي": يؤكد أن "هوية الشخص" تتأسس على "وحدة الطبع" و"ترابط الذكريات". ومن أجل بلورة هذا التصور يعمل، أولًا، على إزاحة التصور الشائع الذي ينظر إلى "الهوية الشخصية" كوحدةٍ وثباتٍ يُقَوِّمان على نحوٍ جوهري (أي أصلي ودائم) "الشخص" بما هو "ذات" أو "أنا". إذ توجد جملةٌ من الوقائع تُفَنِّد في نظره مثل ذلكـ التصور. فالإنسان في حالة النوم يفتقد "الأنا" (كحضور ذهني) أو له فقط "أنا" مُتخيَّل (كإدراكـ حَالِم) سرعان ما يتلاشى حين اليقظة ؛ وكذلكـ فإن الإنسان في حالة المرض له أنا أول وأنا آخر متناوبان داخله، وأحدهما فقط يُدرِكـ الآخر. ولهذا، فإنه من الصعب جِدًّا في نظر "لشوليي" أن نُرْجِعَ حالاتِنَا الداخلية إلى "الأنا" أو "الذات" كوحدةٍ مستقلة، مُتَّسِقَة ودائمة. وبالتالي، فلا شيء آخر يُثبت في الواقع الفعلي "الهوية الشخصية" غير "دوام الطبع" و"ترابط الذكريات". ذلكـ بأن كل إنسان يأتي أفعاله بطريقة مُحدَّدة وﭐعتيادية تجعل تصرفه أو سلوكه يتصف بعدد من السمات، ثم إن إدراكاتنا أو حالاتنا النفسية يرتبط بعضها ببعض على نحو يجعل وعينا التذكري يربط بين الماضي والحاضر في مسار حياتنا. وهكذا فإن "الهوية الشخصية" في نظر "لشوليي" ليست مُعطاةً على نحو أولي وأصلي، كما كان يُعتقد سابقا، وإنما هي مجرد ﭐنعكاس -مباشر ومتواصل بهذا القدر أو ذاكـ- لِإدراكاتنا الماضية في إدراكاتنا الحاضرة. ومن ثم، فإن تحديد "الهوية الشخصية" يقتضي التخلي، في آن واحد، عن مفهوم "الأنا" باعتباره أحد أوهام علم النفس، وعن "الجوهر" كأحد أوهام الميتافيزيقا، مما يجعلها تتحدد بشكل فعلي كمجموعة من الظواهر المتعلقة بالطبع السلوكي وما يرتبط به من وعي تذكري.
+ "سيغموند فرويد" :يرى أن "هوية الشخص" تتحدد كبنيةٍ نفسيَّةٍ ناتجة عن الصراع بين الهيئات الثلَاث في علَاقتها بالواقع الخارجي، الأمر الذي يجعل "الأنا" -وهو يسعى للقيام بمهمة الوساطة بين أسياده الثلَاثة تلبيةً لمطالبهم ومن أجل ضمان وحفظ التوازن بينهم- يُواجِه صعوبات كبرى ويعيش في قلق دائم. ومن هنا، فإن البنية النفسية للشخص في المنظور الفرويدي تتحكم فيها أساسا الدوافع اللَّاشُعُورية على نحوٍ يجعل "الأنا لَا يكون أبدًا سَيِّدًا في منزله". وهكذا فإن أهمية موقف فرويد تتمثل في مُراجعة التصور التقليدي الذي ينظر إلى الذات كـ"أنا" واعٍ له القدرة على الفعل والاختيار. ففرويد يؤكد أن الجانب الواعي في "الشخصية" ضعيف جدا إلى الحد الذي يجعل "الأنا" مجرد عبدٍ خادمٍ تُطَوِّح به في كل ﭐتجاه المطالب المُلِحَّة والمتعارضة لِأسياده الثلَاثة الأشدء والمستبدين. كما أن تصور فرويد يُبَيِّن قيمة العوامل الخارجية في تحديد "هوية الشخص"، وبالخصوص أهمية المسار التاريخي للشخص في مجتمعه ومن خلَال ثقافته، الأمر الذي يجعل البنية النفسية للشخص ذات طابع تَكَوُّني وحركي، وذلكـ بفعل التعارض والصراع الموجودين بين "الأنا" من جهة، وبين "الواقع" و"الهو" و"الأنا الأعلى" من جهة أخرى. لكن التصور الفرويدي، في الوقت نفسه الذي يُظهِر محدودية المواقف التي تنظر إلى الذات كـ"أنا" واعٍ وحر، فإنه يبدو -من خلَال إبرازه لدور اللَّاشعور- مَيَّالًا إلى النزعة الحتمية (الحَتْمَانية) التي لَا تتركـ لِلْإنسان، بما هو فرد، أي خيار أمام ضرورة الشروط الطبيعية والاجتماعية والثقافية والتاريخية التي تُحَدِّد و، من ثم، تَحُدُّ وجوده وفاعليته في هذا العالم. وهذا ما يجعل القول بوجود حَتميةٍ لاشُعُوريةٍ مُتحكمةٍ في فاعلية الذات يطرح مشكلةَ الإرادة والحرية والمسئولية، وبالتالي قيمة "الشخص" الإنساني إزاء الكائنات الطبيعية والحيوانية.
+ شوبنهاور: إن هوية الشخص تتأسس على الإرادة، واختلاف الناس يرجع أساسا إلى اختلاف إراداتهم.
شخص بوصفة قيمة
الإشكالية:  كيف تتحدد "قيمة الشخص"؟ هل من حيث كونه وسيلةً لغيره أم بصفته غايةً في ذاته؟ وهل تتحدد هذه القيمة كمعطى أولي وكُلِّيٍّ أم بما هي بناء تاريخي وﭐجتماعي خاضع لشروط الوجود الإنساني في تغيُّرها وتعدُّدها؟ وهل هي قيمة مطلقة تتجاوز الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي للبشر أم أنها تتحدد بالنسبة إلى هذا الواقع، فتبقى مرهونةً به حتى بما هي مطلبٌ كُلِّيٌّ وشمولي؟
المواقف
+ "كانط: يرى" أن الإنسان يتحدد -بما هو كائن عاقل- كغاية في ذاته، وليس فقط كمجرد وسيلة يمكن ﭐستعمالها لبلوغ غايةٍ ما بناءً على ما تُقرره أي إرادة أخرى. ومن هنا فالإنسان يتميز عن "الشيء" بصفته شخصًا له كرامة يجب ﭐحترامها على نحوٍ كُلِّيٍّ. وهذا ما يجعل الإنسان في أفعاله، سواء كانت تتعلق به أو بغيره من الكائنات العاقلة، ينظر دائما إلى نفسه بصفته غاية، بل بكونه غاية قُصْوى تتحدد بالنسبة إليها كل الغايات الأخرى باعتبارها مجرد وسائل. وبالتالي فإن الإنسان في ذاته يتحدد كعقل عملي وأخلاقي يتجلى كـ"إرادة خيِّرة" تتصرف بمقتضى الواجب الذي يُلْزِمُ كل إنسان بضرورة التصرف باحترام الإنسانية في شخصه كما في شخص غيره دائما بصفته غاية وليس أبدًا كمجرد وسيلة. إنه كقيمة قصوى يُعَدُّ ذا طابع مطلق وكلي يجعله يتجاوز مَشْرُوطِيَّة ونسبية الأشياء والكائنات غير العاقلة.
+"هيغل": يذهب إلى أن كون الفرد شخصا له قيمة أخلاقية كليةٌ يرتبط بالوجود التاريخي والاجتماعي. إذ بدون عمل التربية لا يستطيع الفرد أن يعرف ما يصلح له ولغيره كقيمة أخلاقية، الأمر الذي يجعل "الإرادة الخَيِّرة" كما يتصورها كنط تجريدًا يتجاوز الحياة الفعلية، حيث إن «شيئا فارغا مثلالخير من أجل حب الخير لا مكان له في الواقع الحي». ومن هنا فالأفراد لا تكون لهم قيمة الشخص الإنساني ككائن أخلاقي وقانوني إلَّا في المدى الذي يمتثلون لروح شعوبهم فيكتسبون، من ثم، مكانة خاصة في حياة الجماعة من خلال ما تُحَدِّدُه القوانين والأعراف التي تُعَيِّنُ بوضوح مضمون الخير والشر أو العدل والظُّلْم. وهكذا، فإن الوجود الأخلاقي والقانوني للشخص لا يتعين موضوعيا عند "هيغل" إلَّا في إطار صيرورةٍ تاريخية وﭐجتماعية هي التي تُعطي للفرد قيمته كـ"شخص أخلاقي وقانوني". 
+"إيمانويل مونيي" : يؤكد أن "الشخص" يتحدد أساسًا بأنه واقع ذاتي يتجاوز كل تحديدٍ موضوعي، حيث إنه واقعٌ يُبْنَى ويُعْرَف في آن واحد من الداخل، رغم كونه ليس مجرد فرد قائم بنفسه. وهكذا فشخصانية "مونيي" تذهب في ﭐتجاهِ تأكيد أن الشخص كِيَانٌ رُوحِيٌّ لا يقبل التجزيء ولا يمكن الإمساكـ به من الخارج كشيء أو موضوع، وذلكـ على الرغم من كل ما تدَّعيه العلوم الطبيعية والإنسانية من إمكان بلوغ حقيقة "الشخص" بواسطة المعرفة الموضوعية. وبالتالي فإن "قيمة الشخص" تتجاوز التحديد الموضوعي كما تُجَسِّدُه الشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية، بحيث تبدو قيمةً قُصْوَى مُتعاليةً وغيرَ مشروطةٍ، أي مطلقة وكلية، تماما كما نجد عند "كنط".
+ غوسدورف: قيمة الشخص تتحدد داخل المجتمع لا خارجه،فالشخص الأخلاقي لا يتحقق بالعزلة والتعارض مع الآخرين بل العكس.
+ مونيي : الشخص متميز باكتسابه لشخصيته-)الشخصنة ) كتجربة نابعة من ابداع ذاتي لهذا فهو غير قابل للمقايضة والتباين وان قيمته مطلقة ومرتبطة بارادته ووعيه.
الشخص بين الضرورة والحرية
الإشكالية: هل "الشخص" ذات واعية وحرة بالشكل الذي يجعله يتحمل المسؤولية أخلاقيا وقانونيا عن أفعاله؟ وهل يملكـ من الوعي والإرادة ما يجعله يتحدد بصفته حرًّا ومسؤولًا؟ أم أن كونه يتحدد في هويته كما في قيمته بشروط وجوده الاجتماعي والتاريخي التي تُخْضِعه لنوع من الحتمية والضرورة وتتحكم في فاعليته يجعل حريته موضوع نزاع ونضال دائمين و، بالتالي، رهينة بتدبير واقعي لمختلف إكراهات وضعه البشري في هذا العالم؟ 
المواقف
+ باروخ إسـﭙـينوزا": يرى إلى أن اللـه يُحيطُ بالعالم، من خلال إرادته وقدرته المطلقتين، يجعل الإنسان -بما هو أحد الكائنات الطبيعية- واقعًا ضمن نظام الطبيعة في خضوعه للضرورة. فالإنسان، هو أيضا، له طبيعته الخاصة، سواء بما هو بدنٌ أو بما هو نفسٌ، حيث لا مَفَرَّ له من الامتثال لما تُمْلِيه عليه طبيعته على نحو ضروري. وإذا كان الناس لا يفتأون يَدَّعُون أنهم أحرار في أفعالهم لِأنهم يتمتعون بإرادة حرة تُمَكِّنُهم من الاختيار الحر، فليس هذا في نظر "إسـﭙينوزا" سوى نوع من الحكم المسبق القائم على الوهم الذي يدل في الحقيقة على جهلهم بالأسباب الخفية التي يخضعون لها بشكل ضروري وحتمي، ذلكـ الجهل الذي يُقَوِّيه في نفوسهم وعيُهم بأفعالهم ورغباتهم من جهة صُدورها عن ذواتهم. ومن هنا، فليست هناكـ حرية بمعنى الانفكاكـ عن كل القيود والأسباب، وإنما هناكـ "ضرورة حرة" تجعل الناس يُوجَدون ويتصرفون بصورة مُحَدَّدة، أي ضرورية. غير أن "إسـﭙينوزا" يؤكد، في الوقت نفسه، أن «الإنسان، الذي يَقُوده العقل، يكون حرا في المدينة حيث يعيش وفق الأمر المشتركـ، بخِلاف الذي يكون منعزلًا فلا يُطيع سوى نفسه.» ؛ إذ أن الإنسان الذي يقوده العقل لا يكون الخوف هو الذي يجعله يقبل الخضوع، بل إنه ليرغب -لكونه يجتهد لحفظ وجوده باتِّباع أمرالعقل، أي لكونه يجتهد لكي يحيى حُرّا- في ﭐتِّباع قاعدة الحياة والمنفعة المشتركتين، ومن ثمالعيش وفق الأمر المشتركـ للمدينة. وهكذا فإن الإنسان في ﭐنقياده لطبيعته الخاصة بما هو رغبة يكون خاضعا حتما للضرورة الطبيعية، وبالتالي فإن حريته الحقيقية لا تتم إلَّا على أساس ﭐمتثاله لِأمرالعقل كما يتجسد في القوانين المشتركة في "المجتمع المدني" حيث يعيش بحريةٍ فلا يخضع لرغباتهالطبيعية ولَا لرغبات غيره (وكلتاهما تُهدِّد حياته ومنفعته في النهاية)، وإنما يوجد ويتصرف بحسب ما يُمْلِيه عليه أمر العقل في إطار مجتمع مدني وديموقراطي.
+"جون-ﭙول سارتر": يؤكد أن ﭐمتناع تعقُّل فكرة اللـه كخالق أعظم يجعل الإنسان كائنا يسبق وجودُه ماهيتَه، أي أنه كائن من دُون إلَاهٍ يتصور ماهيته قبل خلقه على نحو مُحدَّد ومُحدِّد. فالإنسان يوجد أولًا، ثم يصنع نفسه ويُحدِّدُ ما يجب أن يكون عليه وجوده، إنه ينقذف من العدم إلى الوجود فيجد نفسه حرا يستطيع أن يفعل بنفسه ما يشاء، بل إنه مُجبَرٌ على أن يكون حرا فيمارس قدرته المطلقة على الاختيار، فهو في وجوده تصميمٌ يُلْقَى به دائما نحو المستقبل، في صورة مشروع أو إسقاط مُقبِلٍ لَا يسبقه أي مُخَطَّطٍ قَبْلي يُمكن أن يحدِّده فيَحُدَّ ﭐندفاعه نحو الوجود والفعل. فالْإنسان تَوَثُّبٌ وﭐندفاع إلى الأمام لا يخضع لا إلى ماضيه ولَا إلى حاضره، لِأنه ذاتٌ مُتعاليةٌ على كل التحديدات والشروط الموضوعية، ذاتٌ حرةٌ بما هي نزوع نحو الاختيار والاستقلال ؛ الأمر الذي يجعل الإنسان يَصْطَنِعُ نفسَهُ ويفعل بها حسب ﭐختياره، ومن ثم فهو مسؤول عما يصنع بنفسه، وفي مسؤوليته هذه عن نفسه تتمثل مسؤوليته عن الإنسانية بكاملها، من حيث إنه مُكْرَهٌ على أن يكون حُرًّا في ﭐختياره، ﭐختياره للْإنسان بكل ما يُقوِّمه كرغبة في تَمَلُّكـ نفسه، وهو التملكـ الذي يؤدي إلى خلقه كأساس حُرٍّ لوجوده الفاعل والواعي.
+ فرويد: الشخص ذات خاضعة لاكراهات لا شعورية –الانا خاضع للضغط من ثلاث جهات وظيفته التوفيق بينهما-
+ إمانويل مونيي: حرية الإنسان ليست مطلقة، وشرط التحرر من الضغوطات هو تحقيق وعي بالوضعية، والعمل قدر الإمكان على التحرر من الضغوطات.
ثانيا: مفهوم الغير
 مفهوم الغير : يُنظر عادةً إلى "الغير" بما هو "الآخر" المخالف، بهذا القدر أو ذاكـ، للذات (سواء أكانت فردية "أنا" أم جماعية "نحن")، المخالف لها فيما تتميز به من سمات وخصائص، وما يُحدِّدها من شروط وأوضاع. فـ"الغير" هو "الآخر" البعيد أو الأجنبي أو الغريب، إنه ليس فقط المخالف للذات أو الأنا، بل إنه الآخر المسلوب أو المنفيّ أو المستبعد. وبناء على هذه النظرة إلى "الغير"، تُتَّخذ المواقف منه. فالآخر المجهول أو الغريب يُواجَه باللامبالاة أو الاستغراب، والآخر المنافس أو العدو يُقابَل بالكراهية أو الحرب، والآخر الشبيه أو المماثل يُقابَل بالصداقة أو المؤاخاة. وهكذا، فإن "الغير" في الاستعمال الشائع يجمع بين معنى "المُبايَنة" (كل ما يُبايِن الذات ويُخالفها) ومعنى "البُعد" و"الغرابة" (كل ما ليس قريبا أو مألوفا). لكن على المستوى الفلسفي يتحدد "الغير" بأنه "أنًا آخر"، أي "الآخر الإنساني" بما هو أيضا "أنا" أو "ذات" في مقابل "أناي" أو "ذاتي"، إنه "أنا" آخر غيري. فـ"الغير" -بما هو "إنسان آخر"- يُعدُّ مُماثِلا لي، لكنه بـ"ما هو نفسه" يختلف عني ويُغايرني بصفته "أنا" أو "ذاتا". ومن هنا فإنه يتحدد بالازدواجية: فهو -رغم كونه إنسانا مثلي-  مُبايِنٌ لي، لأن ذاته ليست ذاتي وأناه ليس أناي ؛ إنه "أنًا آخر" أو "ذات أخرى" بما أنه موجود خارج ذاتي ؛ وهو، في الآن نفسه، مُماثِل لي من حيث إنه ليس مجرد شيء، وإنما له كل مقومات "الذات" أو "الأنا" التي أملكها بالتساوي معه. وهكذا، فالتفكير في "الغير" يبدأ من مجرد إدراكـ "الأنا" و"الذات" بمقتضى ما يُقَوِّمُها ويُميِّزها كـ"هوية" أو بكونها "ما يُماثل نفسه" فـ"يُباين" أو "يُخالف" غيره.  
الوضعية-المشكلة : يُحِيلُ "الأنا"، في دلالته على "الذات" أو "النفس" كجوهر متميز، إلى كائن مفكر له القدرة على الوعي والمعرفة، بحيث تكون الأشياء في مقابله موضوعا لفعله، أي مفعولًا بها باعتبارها وسائل بين يديه موضوعة تحت تصرفه. ومن حيث إن "الأنا" يكون حضورا دائما أمام نفسه (بمقتضى خاصية الوعي المميزة للذات المفكرة)، فإن "الغير" بما هو "أنا آخر" يُمَثِّل مشكلة تُثير عددا من الأسئلة: كيف يتحدد "الغير" في مقابل "الأنا"؟ هل بصفته "أنا آخر" متعاليا ومفارقا أم بصفته موضوعا أو شيئا؟ وكيف يمكن للذات أو الأنا أن تَعْرِف "الغير" في حقيقته كـ"أنا" أو كـ"ذات مفكرة وواعية" مغايرة؟ كيف تُمكن معرفة "الأنا الآخر" إذا كانت معرفة "الأنا" نفسه لا تكون أصلًا إلا كمعرفة مباشرة؟ ألا يَفْقِد "الأنا الآخر" في خلال فعل المعرفة صفاته كـ"أنا" بمقتضى أن هذا الفعل يُوجب تحويله إلى موضوع أو شيء؟ وكيف يمكن التيقُّن من وجود "الغير" بما هو أنا آخر، إن كان لا يمكن أن يُعرف أصلا إلا كموضوع؟ هل يقتضي الوجود الإنساني الاتصال والتواصل بين الذوات؟ وكيف يمكن أن يتحقق هذا التواصل من دون معرفة موضوعية؟ ألا يُؤدي التواصل مع الغير إلى إفقاده حريته وتلقائيته أمام تدخل "الأنا" كذات عارفة؟ كيف يمكن تجاوز حواجز وحدود التواصل بين الأنا والغير؟ ما هي العلاقات الممكنة بالغير؟ وأي إمكان للتواصل مع الغير من دون تشييء أو استلاب أو عنف؟ 
وجود الغير
الإشكالية: ما طبيعة وجود "الغير"؟ هل يتحدد بصفته "أنا" أو "ذاتا" أم أنه ليس سوى شيء أو موضوع؟ كيف يمكن التأكد من وجود الغير في ذاته؟ هل يوجد "الغير" بشكل موضوعي بحيث يمكن أن يقوم كـ"أنا" أو "ذات" إلى جانب أناي أو ذاتي؟ هل وجود "الغير" ضروري لوجود "الأنا" أم أن "الأنا" كيان قائم بذاته ووحدة مستقلة عن "الغير"؟
المواقف
+ ديكارت : يرى أن "الذات"، تُمثِّل أنا مفكرا مستقلا في وجوده عن وجود "الغير"، الذي يتوقف هو نفسه على تفكير "الذات" وحكمها. ولهذا يبدو أن فلسفة "الذات" هذه تنتهي إلى نزعة أنانية تؤكد وحدانية "الذات" أو "الأنا"، من حيث إنه إذا كان وجود "الذات" كأنا مفكر هو وحده الذي يستطيع أن يبني نفسه كيقين وأن يضمن، بالتالي، يقين وجود كل شيء آخر، فإن وجود الغير ليس ضروريا لوجود "الذات"، لأنه يُعَدُّ فقط وجودا افتراضيا، قابلا للشكـ وخاضعا لحكم الذات. ومع ذلكـ، فإنه لا يمكن الجزم بأن تصور "ديكارت" ينغلق في إطار وحدانية الأنا، ذلكـ بأنه يرى أن اليقين الموجود في الكوجيتو - مثله مثل أي معرفة أو حقيقة تُدْركها الذات- ليس كذلكـ إلا في المدى الذي يُعدّ اللـه ضامنًا لليقين. فإذا كان وعي "الذات" بنفسها يقينيا، وإذا كانت معرفتنا بالعالم تُعدّ معرفة يقينية، ففقط لأن اللـه جعل نفوسنا المُدْرِكة أو عقولنا المفكرة على نحو من التوافق مع الحقيقية الموضوعية. وهذا ما يؤكد أهمية الكائن اللامتناهي والكامل كنموذج للغير. 
+ "هيغل": يرى أن "الوعي" ليس كيانا مجردا أو وجودا ذاتيا، مستقلا ومطلقا، وإنما هو علاقة جدلية بين وجود "الأنا" ووجود "الآخر". ذلكـ بأن الإنسان يتميز عن باقي الأشياء بكونه ذا وجود مزدوج، فهو يوجد كشيء (وجود في ذاته)، وفي نفس الوقت يوجد كوعي (وجود لذاته)، أي كتأمل ينظر في نفسه ويفكر فيها. وهذا هو "وعي الذات بنفسها" أو "الوعي بالذات"حيث إن الإنسان حينما يُشبع رغبته كشيء طبيعي ينحصر إدراكه في الإحساس المباشر بذاته، فلا يكون بَعْدُ وعيا بذاته، لأنه يكون غارقا في الحياة العضوية التي لا يخرج منها ولا يتجاوزها إلا حينما لا يعود يرغب مباشرة في شيء طبيعي، بل تصير له رغبة أخرى هي أن يعترف به الآخر. لكن هذا الاعتراف لا يُعْطَى بشكل سِلْمِي، بل يُنتزع عبر صراع بين الطرفين اللذين يخاطر كل منهما بحياته حتى الموت. وبما أن الموت الفعلي لا يحقق هذا الاعتراف، وإنما يحققه استسلام أحد الطرفين، بتفضيله الحياة على الموت، فإن العلاقة بين الطرفين تصير هي علاقة السيد بالعبد. وهذه هي العلاقة المُوَلِّدة في آن واحد لـ"الأنا" (وعي الذات) و"الغير" (وعي ذات أخرى). وهكذا، فـ"الأنا" و"الغير" يوجدان من خلال العلاقة بينهما، أي أن وجود "الغير" ضروري لوجود "الأنا"، حيث إن الأمر يتجلى في شكل علاقة بين وعيين بالذات.    
+ سارتر : يذهب، خصوصا في كتابه "الوجود والعدم" واستنادا إلى هيغل وهُسِّرل، إلى أن العلاقات الاجتماعية بين "الأنا" و"الغير" تؤدي إلى تشييئهما معا، فلكي أتوصل إلى حقيقةِ ذاتي، لا بد لي أن أمر عبر الآخر أو "الغير" الذي لا غنى لوجودي عنه ولا غنى لي عنه في معرفة نفسي. ولهذا، حينما يكون إنسان ما وحده (طفل مثلا)، فإنه يتصرف بعفوية وحرية كاملتين. لكنه ما إن ينتبه إلى أن أحدا آخر يراقبه أو ينظر إليه حتى يضطرب وتفقد حركاته تلقائيتها، إنه يصاب بالخجل الذي هو شعور يزيد على الحالات النفسية الذاتية بكونه يحيل إلى شيء غيره. ففي الوقت نفسه الذي يحقق الخجل صلتي بنفسي (لأنني أخجل من نفسي أو مما أنا فيه)، فإنني أكتشف أنني أخجل من نفسي أمام شيء ما. فإذا صدرت مني حركة مبتذلة أو متدنية فإنني لا أشعر حيالها بشيء ولا ألوم نفسي ما دمت وحدي. لكن الأمر يختلف إذا أدركت أن شخصا آخر قد لمحني، مما يجعل الدم يتصاعد إلى وجنتي ويعتريني نوع من الاضطراب فأتصبب عرقا. وهذا يجعل "الغير" يوجد كوسيط بيني وبين نفسي، "لأنني أخجل من نفسي كما تبدو للغير". وظهور "الغير" يجعلني أنظر إلى نفسي كموضوع من حيث إنني أبدو للغير بهذه الصفة. ويعبر سارتر عن هذا قائلا: "الجحيم هي الآخرون"، حيث إن النظرة التي يُلْقِيها علي الآخر تُخرجني من ذاتي وتُفقدني حريتي الأصلية. ولهذا، فإن مواجهة نظرة "الغير" تُعد دائما مُقلقة. لكن إذا كان "الغير" يعتبر تهديدا للذات، فإنه يمثل أيضا الوسيط الضروري الذي يمكنني من خلاله أن أوجد على نحو موضوعي وأن أعرف نفسي. فبفضل "الغير" يمكنني الوصول إلى معرفة نفسي، لِأن "الغير" ليس هو فقط من يُجَمِّدني ويَسْلُبُني، وإنما هو أيضا الذي يُحَرِّرني بانتزاعي من الانطوائية التي يظن الوعي المنعزل أنه يستطيع أن يجد فيها ملجأه. ولهذا فإن التهرب ورفض التواصل أمران وهميان، إذ حتى في حالة غياب الغير، فإنه يبقى حاضرا في عزلتي، لأنه يمثل الشيء الذي من خلاله تتأسس علاقتي بنفسي وبالعالم.
ميرلوبونتي : وجوده يتسم بالازدواجية وهو سلبي يحد من الانا وعفويتها وايجابي لانه وسيط بين الانا ووعيه بذاته ووجوده.
+ "جيل دولوز" أن "الغير" ليس ذاتا تُدركني وليس شيئا أو موضوعا في مجال إدراكي، بل هو قبل كل شيء "بنية المجال الإدراكي"، التي لا يمكن لهذا المجال في مجموعه أن يشتغل بدونها، إنه "بنية الممكن" التي يُحققها أشخاص فِعْلِيون أو فاعلون متغيرون (أنا بالنسبة لكـ وأنت بالنسبة إلي). لكن هذا لا يمنع من أن تكون هذه البنية سابقة في الوجود، كشرط لتنظيم الأشياء عموما، بالأطراف التي تُحَقِّقُها في كل مجال إدراكي مُنظَّم (مجالكـ أو مجالي). وهكذا فإن "الغير القبلي" (-بصفته بنية مطلقة، يُؤسس نسبية الأغيا) كأطراف تُحَقِّق البنية في كل مجالٍ إدراكي. والقول بأن "الغير" هو "بنية الممكن" لا يعني أن "الممكن" مقولة مجردة تُشير إلى شيء غير موجود، بل إن العالم الممكن المُعبَّر عنه موجودٌ تماما، لكنه لا يوجد بالفعل خارج ما يُعبِّر عنه (مثال الوجه الخائف/الشيء المُخيف). فنحن حينما ندركـ الأشياء المحيطة بنا لا ندركها باستمرار ومن جميع جهاتها، وهذا يفترض وجود آخرين يدركون ما لا ندركـ وحين لا ندركه، وإلا فإن الأشياء تنعدم حين لا ندركها وتعود إلى الوجود حين ندركها من جديد.غير أن هذا مستحيل، مما يجعل "الغير" يشاركني في إدراكـ الأشياء ويُكمِل إدراكي لها، وذلكـ بوصفه "الممكن الإدراكي" الذي يُحَدِّد بنية مجالِ إدراكي والذي يكون فعليا حين يحضر "الغير" في مجال إدراكي وتخيليا حين يغيب عنه
+ مارتن هايدغر:  وجود الغير مهدد لوجود الذات ما دام يحرمها من خصوصياتها، والغير مفهوم قابل لكي يطلق على كل إنسان.
معرفة الغير:
الإشكالية: هل معرفة "الغير" بما هو "أنا آخر" تعد معرفة ممكنة أم أنها مستحيلة؟ إلى أي حد يمكن أن تُعرف أفكار ومشاعر الآخر بالكيفية نفسها التي يعيشها كتجربة حميمية وباطنية؟ أم أن علاقة المعرفة تُوجِب تحويل موضوعها إلى مجرد "شيء" يفتقد كل صفات "الذات العارفة"؟
المواقف
+ نيقولا مالبرانش: يُواصل إلى حَدٍّ ما التصور الديكارتي الذي يفصل بشكل جوهري بين "الذات" و"الموضوع". إذ أنه يرى أن معرفة نفوس وعقول الآخرين ليست ممكنة إلا كمعرفة تخمينية وظنية، لأن الأمر يتعلق بـ"ذات أخرى" خارج وعينا الذاتي. لذا فإن أقصى ما يمكن الوصول إليه إنما هو افتراض أن المماثلة الموجودة بين الذاتين (كل منهما وعي) تسمح بالاستدلال بالمشابهة أو المُقَايسة على إحساسات ومشاعر الذات العارفة. لكن هذه المعرفة معرضة للخطإ من حيث إنها تقتصر فقط على ما يدور داخل الكيان الذاتي ولا تستطيع العبور إلى الذات الأخرى، الأمر الذي يجعلها معرفة غير مباشرة وغير يقينية.
+ ماكس شيلر: يرى "أنني عندما أشاهد حركات تعبير مشابهة لحركات التعبير الصادرة عني، فإنني ألتقي من جديد بذاتي أنا وليس بـ"أنا الغير"، أي أنني لا ألتقي بـ"أنا" غريب. وحين ينتهي حكم المماثلة إلى إثبات أنًا مختلف عن أناي، فإنه يقرر نتيجة خاطئة". لذا، فإن معرفة حقيقية بـ"الغير" تقتضي، عند شيلر، تجاوز كل الثنائيات التقليدية (بدن/نفس، جوهر/عَرَض، ظاهر/باطن، سطح/عمق، إلخ.) للتمكن من إدراكـ الإنسان كـ"مجموع كلي"، أي كوحدة جسدية ونفسية لا تقبل أي انقسام أو تجزيء، وكحقيقة متمثلة في "الهوية" الظاهرة للشخص الإنساني.
+ ميرلوﭙونتي: ينظر إلى هذه العلاقة من موقع "الأنا المفكر" الفاعل لنشاط المعرفة، كما يتمثل في إجراءات التقسيم والحساب والقياس والتجريد، التي تستلزم بالضرورة "التوضيع" كعملية تشييئية ؛ في حين أن ٱعتبار تلكـ العلاقة كـتواصل إنساني بين ذاتين تشتركان في الوجود ضمن العالم"  يؤدي إلى حفظ "الأنا" و"الغير" بكل صفاتهما، مما يُشير إلى أن ذلكـ الإمكان الموضوعي التشييئي ليس هو الإمكان الوحيد. فإذا كان "الغير" يوجد كمعطى بالنسبة إلي، فليس لِأنه يظهر كقوة مُكَوِّنة في مواجهتي، وإنما بصفته -تماما مثلي- وجودا مُتجسدا، أي أنه يشتركـ معي في ٱنتماءٍ جسديٍّ إلى العالم، ٱنتماء سابق على القوة المُكَوِّنة التي تتمتع بها "ٱلذات". فوجود المرء يعني كونه في العالم، و"الذاتية المتعالية" تُعَدُّ ذاتيةً منكشفة ومُدرَكَة لنفسها وللغير، وبهذا المعنى فهي "ذاتية بينية".
+ إدموند هوسرل: معرفة الغير ممكنة ما دام جزءا من العالم الذي أعيش فيه، وما أعرفه من الغير هو المستوى الذي يشاركني و يشابهني فيه.
+ غاستون بيرجي : تتأسس حقيقة الإنسان على تجربته وعلى إحساساته الداخلية، إن هناك فاصلا بين الذات والغير يستحيل معه التعرف على حقيقة هذا الغير.
+ سارتر :معرفة الغير مستحيلة لوجود العدم بين الذوات.
العلاقة مع الغير
الإشكالية:  ما هي العلاقات الممكنة مع "الغير"؟ هل هي علاقات تكامل أم أنها علاقات تنافر؟ هل هي علاقات صداقة أم علاقات غرابة؟ وما هي محددات أنواع العلاقة مع "الغير"؟
المواقف
+ أفلاطون: يقول بأن الصداقة علاقة حب متبادل بين "الأنا" و"الغير"، تستند إلى حالة وجودية هي وسط بين الكمال المطلق والنقص المطلق، بين الخير المطلق والشر المطلق. ذلكـ بأن كل من كان يتصف بالكمال والخير المطلقين، فهو يوجد في حالة اكتفاء ذاتي تجعله غير محتاج إلى "الغير" ؛ وأما من كان يتصف بالشر والنقص المطلقين، فلا يمكنه أن يجد في نفسه الرغبة لطلب الكمال والخير. ولهذا السبب فإن الصديق هو من يتصف بِقَدْرٍ كَافٍ من الخير والطيبوبة، قَدْر هو الذي يدفعه إلى طلب خير أكبر أو كمال أسمى، وبقدر من النقص لا يحول دون البحث عما يُكمله لدى "الغير".
+أرسطو: يتناول الصداقة بما هي قيمة أخلاقية ومَدَنِيَّة. فالصداقة لديه تُعَدُّ تجربة معيشة وضرورية للحياة المشتركة، لا تقوم على مجرد الحب الأفلاطوني. إذ هناكـ عدة أنواع من الصداقة، أهمها صداقة المنفعة وصداقة المتعة وصداقة الفضيلة. ويرى أرسطو أن النوعين الأولين -بحكم توقفهما على المنفعة والمتعة- مُتَغَيِّران، يوجدان بوجود المنفعة والمتعة ويزولان بزوالها. ولذا، فهما لا يمثلان الصداقة الحقيقية التي هي صداقة الفضيلة والتي تقوم على محبة الخير والجمال لذاتهما، مما يجعلها كاملة ودائمة. وفي هذا النوع من الصداقة تتحقق المنفعة والمتعة كلتيهما. ولذلكـ، فإن "صداقة الفضيلة" نوع نادر، بل إنه لو أمكن تحققها بين الناس لما ٱحتاجوا إلى شيء آخر بعدها، حتى لو كان القوانين والعدل.
لكن الصداقة، من حيث هي علاقة ممكنة وإيجابية مع "الغير"، تبقى قائمة على نوع من القرب العاطفي أو الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الثقافي ؛ بحيث إن كل من ليس قريبا بهذا المعنى يُعتبر غريبا ويُوصف بأنه مجهول، غير مألوف، غامض ومُخيف ؛ وبالتالي يتم عزله أو رفضه أو إقصاؤه بوصفه عنصرا طُفيليا أو دخيلا، بإمكانه أن يتسبب في الاختلال والفساد، بل يوضع موضع المسئولية عن كل شر محتمل. غير أن هذا كله يفترض أن "الأنا" أو "النحن" يتمتع دائما بنوع من "الهوية" التي تتسم بالوحدة والتناغم والِاستمرار والِاستقلال، حيث إن كل ما يرتبط بالِاختلاف والتعدد والتناقض والتغير يوجد أو يُنْفَى خارج الذات الفردية أو الجماعية. وبالفعل، فعندما نتأمل في الأمر نجد أن سمات التغاير هاته كامنة في الذات نفسها سواء كانت فردية أو جماعية، فالإنسان لا يستطيع أن ينفكـ عن التغير الذي يلحق أحواله وأوضاعه وأفكاره، على نحو يجعل "الذات" أو "الأنا" نفسها تتغير فتتغاير باستمرار.
+ جوليا كريستيـڤا: تقول "الغريب يسكننا على نحو غريب" من حيث إنه في الواقع جزء لا يتجزأ من "الذات". فـ"الغريب" ٱسْمٌ مُستعارٌ (وليس حقيقيا) يدل على الكراهية والحقد كـ"آخر" غير مرغوب فيه، مُستبعَد ومَسْلُوب، بل كـ"عدو" يجب القضاء عليه لحفظ السلم وضمان الِاستمرار. من هنا، يتبين أن "الغريب" يتحدد كقوة خفية كامنة داخل هويتنا نفسها وكـ"عَرَض" دَالٍّ" يجعل هذه "الهوية" (سواء أكانت فردية أم جماعية) إشكالية، بل مستحيلة ؛ الأمر الذي يجعل "الغرابة" غير مقتصرة فقط على "الغير" البعيد (أو الأجنبي، المهاجر، الجنس الآخر، المجتمع الآخر، الثقافة الأخرى، الدين الآخر، إلخ.). ولذا، فحينما نتعرف على "الغريب" في داخلنا، نوفر على أنفسنا أن نكرهه أو نُقصيه كما لو كان شيئا يوجد في ذاته وفي ٱستقلال عنا. فـ"الغريب" ينشأ من الوعي بالِاختلاف والتعدد باعتباره يشكل الفضاء حيث يتبلور الوجود الإنساني. وعلى هذا، فإن معرفتنا بأنفسنا تُمَكِّنُنا من أن نُدرِكـ أننا "غرباء عن أنفسنا".
+ الكسندر كوجيف+هيجل  :نموذج الصراع . العلاقة الجدلية بين العبد والسيد
كريستيفا: اساس العلاقة تتمثل في التكامل-الغرابة كنموذج---ان الغريب يسكننا على نحو غريب---
+ سارتر:علاقة صراع –الجحيم هم الاخرون
 + إمانويل كانط:الصداقة هي النموذج المثالي للعلاقة مع الغير،ومبدأ الواجب الأخلاقي يفرض على الإنسان الالتزام بمبادئ فاضلة وتوجيه إرادته نحو الخير دائما.
 + أوغست كونت:  إن الغيرية باعتبارها نكران للذات وتضحية من أجل الأخر هي الكفيلة بتثبيت مشاعر التعاطف و المحبة بين الناس.
ثانيا: مفهوم التاريخ
مفهوم التاريخ : يَقُودنا تناول مفهومي "الشخص" و"الغير" إلى تحديد "الوجود الإنساني" بما هو "فاعلية" مُحدَّدة من خلال مجموع الشروط التي تتعلق بـ"الوضع البشري" والتي تجعل "الذات"، كسند وأساس للفعل الإنساني، مرتبطةً بعوامل التعدد والتغير كما تتجلى اجتماعيا وتاريخيا، حيث إن "الفرد" كـ"وحدة مستقلة" وكـ"هوية متميزة" لا يتخذ معناه إلا في إطار معين يتحدد كـ"مجتمع" و"ثقافة" و"لغة"، أي بالنسبة إلى مجموع العلاقات التفاعلية والتبادلية التي تُكَوِّن فضاء الوجود الإنساني والتي تُحدِّد فاعلية الإنسان في حدوثها وصيرورتها وتطورها ؛ الأمر الذي يؤدي إلى بروز "البعد الزمني" كـ"امتداد" و"استمرار" يُعطيان للفعل الإنساني حركيته وقوته على نحو يستدعي التساؤل عن مصدر هذا الفعل ومداه وأهميته، وذلكـ في حدود مجموع الشروط التي تحكم وضع الإنسان في هذا العالم. 
الوضعية-المشكلة: يتحدد "التاريخ" بكونه صيرورة الوجود الإنساني كما تتجسد في مجموع الأحداث والوقائع التي تُكَوِّنُ سيرورة الحياة البشرية في امتدادها وتغيُّرها عبر الزمن. فـ"التاريخ" يُمثِّل الوجود الإنساني في حُدوثه واستمراره. وكون "التاريخ" يتحدد بهذه الصورة يستدعي التساؤل عن الكيفية التي يمكن أن يُعرَف بها الماضي الإنساني: فهل "المعرفة التاريخية" معرفة علمية تُعِيد وتستعيد الأحداث في واقعها الحقيقي أم أنها معرفة إنشائية وفنية قائمة على مُمكنات الخيال وتأثرات الوجدان؟ وهل تتم الصيرورة التاريخية على شكل مجموعة من التطورات والتراكمات التي تخضع لمنطق معين يُمَكِّن من الحديث عن التقدم في التاريخ الإنساني أم أن أحداث التاريخ تَتَتالى وتتسلسل على نحو اعتباطي وعشوائي؟ وهل "التاريخ" جملة من البنيات الموضوعية التي تُوجد وتستمر خارج إرادة ووعي الناس أم أنه نتاج للفاعلية الإنسانية بحيث يمكن الحديث عن دور الإنسان في التاريخ وعن أهمية الأبطال والزعماء والعباقرة بصفتهم صُنَّاع التاريخ؟   
المعرفة التاريخية
الإشكالية: ما طبيعة المعرفة التاريخية؟ هل هي معرفة موضوعية وعلمية أم أنها مجرد معرفة إنشائية وتخيُّلية على شاكلة المعرفة التي يُقدِّمها الأدب والفن؟ هل يُمكن بناء معرفة حقيقية بأحداث الماضي الإنساني في خصوصيتها الزمنية وحضورها البشري؟
المواقف
+ "عبد الرحمن بن خلدون" يُعَدُّ، في أواخر العصر الوسيط، أحد كبار المفكرين الذين تناولوا الكيفية التي يُمكن بها للبحث في التاريخ أن يصير علما متميزا عن الاهتمام العادي والعام (التاريخ كطرائف ونوادر) أو التناول غير المتخصص (التاريخ كأدب قصصي وحكائي يفتقر إلى التحقيق والتمحيص المنهجيين). فـ"التاريخ" فن من الفنون التي تتدولها الأمم وتهتم بها الأجيال ويجتهد الناس في طلبها. وهو في ظاهره ليس سوى أخبار عما مضى من الأيام تُؤَدِّي لنا شأن الخليقة في أحوالها العمرانية ؛ أما في باطنه، فهو نظر قائم على التحقيق يبحث في تعليل الحوادث للتمكن من بلوغ معرفة علمية بكيفية وقوعها في علاقتها بأسبابها العميقة. وبهذه الصفة، فهو "علم" يتناول أحوال الماضي من العمران البشري، مما يجعله يحتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، فضلا عن جودة التفكير وفق منهج يقوم على التثبُّت والتحقيق. ذلكـ بأن كونه يعتمد على الأخبار يجعله مُضطرا إلى تجاوز مجرد النقل، ومن ثم تحكيم أصول العادة وقواعد السياسة المرتبطة بطبيعة العمران وأحوال الاجتماع الإنساني. وهكذا، فإن "ابن خلدون" يرى أن "التاريخ" يتعلق بـ"العمران البشري في الأرض" الذي هو "أحوال الاجتماع الإنساني"، وبالتالي فإن قيام "التاريخ" كمعرفة علمية يتطلب بناءه على "علم العمران الإنساني" الذي هو "علم الاجتماع" كعلم يدرس وقائع العمران لاستخلاص أصوله وقواعده التي بدونها لا يمكن إدراك طبيعة الحوادث التاريخية.        
+ هنري-إريني مارو": يذهب إلى أن "التاريخ"، بما هو معرفة بالماضي الإنساني، ليس مجرد سرد لأحداث الماضي كما في الحكايات الشعبية أو في الأعمال الأدبية التي تُعيد كتابة تلك الأحداث بطريقة إنشائية، وإنما هو "عمل علمي" يتوخى بناء معرفة حقيقية بأحداث الماضي وفق منهج مُنظَّم وصارم يُميِّز، من جهة، بين الوسائل (طرق البحث وتقنيات الاكتشاف) والغايات (نتائج البحث كمعرفة صحيحة وحقيقية بالواقع) ويفصل، من جهة أخرى، بين التعامل الواقعي مع الأحداث (المعالجة العلمية) والتعامل الفني والتخييلي معها (المعالجة الأسطورية والأدبية). ولهذا، فإن "التاريخ" يتحدد في ارتباطه بـ"الحقيقة" التي يعمل المؤرخ على بنائها بشكل منهجي يُمَكِّنُ من إدراكـ واقعي لأحداث الماضي. 
+ غرانجي: التاريخ ليس مجرد جنس من الاجناس الادبية بل معرفة نظرية بدون ممارسة تتارجح بين الادب والايديولوجيا
+ بول ريكور: كتابة التاريخ مسالة صعبة، فمعرفتنا بالتاريخ لا تعد حقيقة مطلقة بل هي معرفة نسبية غير أنها ومع ذلك تعد معرفة علمية موضوعية.
+ ريمون ارون: معرفة الإنسان بالتاريخ عملية صعبة ما دامت تعتمد على استخراج دلالة الوثائق والمعطيات والآثار المنتسبة إلى الماضي، فالمؤرخ مطالب بالتزام الموضوعية وأن يعيش على المستوى الذهني في اللحظة التاريخية التي يريد أن يدرسها.
التاريخ وفكرة التقدم
الإشكالية: كيف تتم الحركة التاريخية؟ هل على صورة مجموعة من التحولات المتدرجة والتراكمات التقدمية أم أنها مجموعة من التطورات المتقطعة وغير الخَطِّية؟ ما معنى "التقدم" في التاريخ الإنساني؟ هل هو تطور خطي، مستمر وضروري أم أنه سيرورة تراكمية تَتَّسم بالانقطاع والانحراف والتعرج؟
المواقف
+ "إدوارد هاليت كار" : يعمل على إزالة الخلط بين مفهومي "التقدم" و"التطور" لكي يُبَيِّن طبيعة التحولات التاريخية. فإذا كان مفكرو التنوير (ق 18) يعتقدون في "فكرة التقدم" باعتبار أن الإنسان كائن طبيعي سعى عبر مسيرته التاريخية لتحقيق غايات طبيعية تتمثل في "العقل" و"الحرية" و"الازدهار"، فإن "هيغل" واجه التنويريين بالقول إن التاريخ، بخلاف الطبيعة، هو وحده الذي يشهد تَجلِّي "العقل" أو "الروح" في حركته التقدمية من خلال الجدل التاريخي للوعي الإنساني. وتأتي الداروينية بعد ذلكـ لتؤكد أن "الطبيعة" و"التاريخ" يتحددان كليهما كـ"تقدم". لكن "إدوارد كار" يرى أن مثل ذلك التصور يؤدي إلى الخلط بين الوراثة البيولوجية، التي هي مصدر "التطور"، والاكتساب الاجتماعي، الذي هو مصدر "التقدم" في التاريخ. ومن هنا، فلا داعي لتصور "التقدم" كحركة لها بداية ونهاية محدَّدتين. ذلك أن القول بأن التاريخ له طابع أُخْروي يُعدُّ افتراضا دينيا يُلائم "علم اللاهوت". ولا سبيل للاحتفاظ بفكرة "التقدم" في التاريخ إلا بالنظر إليه كعملية تُودِعُ فيها العصورُ المتعاقبة، من جيل إلى جيل، مضمونَها المُميِّز كمجموعة من المطالب والأحوال. لذا، ليس من المعقول أن يُعتقَد أن "التقدم" يسير باستمرار في اتجاهٍ مستقيم من دون انقطاع أو انحراف أو توقف أو ارتداد، أي أن "التقدم" في التاريخ ليس استمرارا في الزمان والمكان.
+ "كلود ليفي-ستروس": يذهب إلى أن أنواع "التقدم" التي حققتها الإنسانية منذ بدايتها واضحة وبَيِّنة بقدر يجعل كل محاولة لمناقشتها تَؤُول إلى مجرد تمرين بلاغي. ورغم ذلك، فإنه ليس من السهل -كما يظن بعضهم- أن تُرتَّب أنواع التقدم تلك في سلسلة منتظمة ومستمرة. فأنماط التقدم ليست عصورا متتابعة ومُطَّردة، بل يُعَدُّ بعضها عصورا متزامنة ومتعايشة، إذ حينما تتغلب تقنية ما على أخرى، فإن هذا التطور لا يكون نتيجة تقدم تقني يَبْرُز تلقائيا من مرحلة سابقة، وإنما كمحاولة للنقل بين متقدم ومتأخر متعاصرين. وهكذا، فإنه من المُسلَّم الآن أن العصر الحجري الأدنى والأوسط والأعلى ثلاثة أشكال وُجِدت متزامنة، بحيث لم تكن عبارة عن ثلاثة أطوار من التقدم في اتجاه واحد، وإنما كانت وُجُوهًا متنوعة من واقع غير سُكُوني عَرَف تغيرات وتحولات معقدة. وكل هذا لا يستهدف نفي واقع التقدم في التاريخ الإنساني، بل يستدعي تصوره بقدر أكبر من الحَذَر. ومن هنا، فإن "التقدم" لا يتم على نحو ضروري ومستمر، وإنما يحدث على شكل "قفزات" أو "طفرات" بالمعنى البيولوجي، وهي "قفزات" لا تتمثل في السير دوما إلى أبعد حَدٍّ وفي نفس الاتجاه، حيث إنها تقترن بتغيرات في الاتجاه على شاكلة "الفارس" في الشطرنج الذي يملك أن يتقدم بأكثر من حركة في أكثر من اتجاه. فالتقدم في التاريخ الإنساني ليس سلسلة منتظمة ومستمرة على شكل الصعود المتدرج في السُّلَّم، بل إنه أشبه باللعب المتعرج والمتناثر في أكثر من ناحية، بحيث إنه لا يُمَثِّل ترتيبا حسابيا أو تراكما نوعيا إلا من حين لآخر.  
+ ماركوز :شهد التاريخ اساسا نوعين من التقدم : تقدم كمي- تقني- وتقدم كيفي-السير نحو تحقيق الحرية الانسانية-
+ كارل ماركس: التاريخ مبني على التناقض بين علاقة الانتاج وقوى الانتاج هذا التناقض هو منبع الحركة والتغير نحو الامن متى تحققت الشروط الموضوعية والذاتية اي الظروف المادية في المجتمع وهذه الحركة ليست تكرارية بل تطورية . انها ولادة لمجتمع جديد وانتفاء لمجتمع قديم.
+ ارون:  التقدم التاريخي احتفاظ وتجديد اي استجابة لاعمال الجيل السالف واضافة اشياء اخرى له.
+ م.م. بونتي : تسلسل أحداث التاريخ يجعلها خاضعة لمنطق يتصف بكونه منفتحا على احتمالات جديدة، ولهذا لا يمكن الحكم على التاريخ لأنه خاضع لمبدأ السببية الحتمية.
دور الانسان في التاريخ
الإشكالية: ما هو الدور الذي يلعبه الإنسان ككائن فاعل في التاريخ؟ هل التاريخ من صنع الإنسان كفاعل اجتماعي وتاريخي أم أن الإنسان لا يفعل في التاريخ إلا بالقدر الذي يُعَدُّ هو نفسه نِتَاجًا لتاريخه الخاص في ارتباطه بالتاريخ العام للإنسانية؟
المواقف
+ لوسيان غولدمان: يُواجه التصور البنيوي للتاريخ (كما مَثَّله "ألتوسير") بالتساؤل عَمَّن يخلُق البنيات الاجتماعية والتاريخية التي تُعتبر مُحدِّدة للفاعلية الإنسانية (القول بأن البنيات هي التي تخلق الأحداث التاريخية). فمجموع البنيات الاجتماعية والتاريخية (اللغة، المؤسسات، أشكال الإنتاج المادي والرمزي) ليست ذوات فاعلة ومُنتِجة، بل إن الناس المأخوذين في مجموعة من العلاقات المُتَبنينة ، كوعي وسلوك مُتَبَنْيِِنَيْن أيضا، هم الذين يُنتجون الأحداث التاريخية (هم الذين يخلقون مثلا اللغة داخل ممارسة متبنينة). لذا، فإن البنيات، في مختلف صورها، ليست سوى مظهر للعلاقات الإنسانية على نحو لا يجعلها تحتل مكان "الذات"، وإنما تبقى فقط تجلِّيا من تجليات "الذات" كسلوك وفكر وحياة ملموسة في الواقع الفعلي.
+ "جون-ﭙول سارتر": يرى أن الإنسان يكون، حتى في أثناء استغلاله واستلابه، ثمرة لنِتَاجه الخاص. فالإنسان فاعل تاريخي وليس مجرد نِتاج لشروط خارجية ومُتعالية. إنه يُنْتِج تاريخه فيُنتِج، من ثم، نفسه ضمن حركة "الممارسة" الإنسانية (praxis) كحركة جدلية وتناقضية. ذلك بأن الناس يصنعون تاريخهم على أساس الشروط الواقعية والمادية السابقة، مما يجعلهم هم الذين يصنعون تاريخهم. والقول بخلاف هذا يؤدي إلى جعل الناس مجرد وَسَاطات حاملة لقُوًى غير إنسانية تُنَظِّم المجتمع وتُحدِّده من خارج وبعيدا عن إرادتهم ووعيهم. فحركة "الممارسة الإنسانية" تتجاوز الشروط الواقعية في الوقت نفسه الذي تحتفظ بها، الأمر الذي يجعل الإنسان الصانع الفعلي للتاريخ ؛ وحتى حينما يُفلِت التاريخ من قبضة أحدنا، فإن السبب هو أن غيره هو أيضا يصنعه. وبالتالي، فإن الإنسان يملك أن يصير ذاتا فاعلة في التاريخ، وذلك في المدى الذي يُمكنه أن يَعِي ذاته وقيمته كفاعل من خلال تَعرُّفه لوجوده الواقعي في التاريخ.  
+ التوسير :التاريخ هو من يصنع نفسه وليس الابطال من الناس فما هم سوى منفذين لما اراده التاريخ 
+ هيغل: ليس الانسان سوى وسيلة في يد التاريخ، إن التاريخ بمكره يوهمه أنه صانع التاريخ غير انه لا ينفد سوى ارادة التاريخ وفق مسار الروح المطلق

ليست هناك تعليقات: